أحمد بن محمد المقري التلمساني
287
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
مفضض الثغر له نقطة * من عنبر في خده المذهب « 1 » أيأسني التوبة من حبه * طلوعه شمسا من المغرب قال الشيخ أبو سعيد : فاستشكلت هذه الأبيات لما اشتملت عليه من التغزل ، وذكر الخال والخدّ والثغر ، ومقام الشيخ ابن عباد يجلّ عن الاشتغال بمثل هذا ، فلقيت يوما أبا القاسم الصيرفي ، فذاكرته بالقصة ووجه الإشكال فيها ، فقال لي : مقامك عندي أعلى من أن تستشكل مثل هذا ، هذه أوصاف ولي اللّه القائم بأمر اللّه المهدي ، فشكرته على ذلك ؛ انتهى . قلت : رأيت بخطّ الوانشريسي « 2 » إثر هذه الحكاية ما نصّه : قلت في صحة هذه الحكاية عن الشيخ نظر ؛ لما احتوت عليه من تعبير الحسن ، وقدر الشيخ وورعه أعلى من هذا ، فهذان إشكالان ، واللّه أعلم . وحكي أنّ الشيخ ابن عباد ، رحمه اللّه تعالى ، لما احتضر « 3 » جعل رأسه في حجر أبي القاسم هذا ، وأخذ في قراءة آية الكرسي إلى قوله الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] ثم يقول : يا اللّه ، يا حيّ ، يا قيّوم ، فيلقنه من حضر لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] فيمتنع الشيخ من قراءتها ويقول : يا اللّه ، يا حيّ ، يا قيّوم ، فلمّا قربت وفاته سمع منه هذا البيت وكان آخر ما تكلّم به : [ البسيط ] ما عوّدوني أحبائي مقاطعة * بل عوّدوني إذا قاطعتهم وصلوا « 4 » ولمّا توفي الشيخ ابن عبّاد ، رضي اللّه عنه ، في التاريخ المتقدّم حضر جنازته السلطان أمير المسلمين أبو العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم وأهل البلدتين - يعني فاسا الجديد التي هي مسكن السلطان وخواصّ أتباعه ، وفاسا العتيق التي هي محلّ الأعلام والخاص والعام من الناس في ذلك القطر ، إذ هي إذ ذاك حضرة الخلافة وقبة الإسلام في المغرب - وتقدّم بعده للإمامة والخطبة بجامع القرويين نائبه أيام مرضه الشيخ الصالح الورع أبو زيد عبد الرحمن الزرهوني حسبما قاله الجاديري رحمه اللّه تعالى ! . وحكى الوانشريسي ، رحمه اللّه تعالى ، أنّ الشيخ ابن عبّاد كلّم ابن دريدة الوالي في مظلمة ، فلم يقبل ، فلمّا كان يوم الجمعة ونزل السلطان أبو العباس للصلاة بجامع القرويين
--> ( 1 ) في أ : « من عنبري خده المذهب » . وصوبناه من ب . ( 2 ) في ب « الونشريسي » . ( 3 ) احتضر : حضره الموت . ( 4 ) « عودوني أحبائي » جاء على لغة مهجورة عند العرب يسميها النحاة لغة « أكلوني البراغيث » وخلاصتها إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل المسند إلى مثنى أو مجموع ، ويجتمع بذلك فاعلان لفعل واحد .